فصل: مسلك القرآن في سوق الأدلة:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: المعجزة الكبرى القرآن



.مسلك القرآن في سوق الأدلة:

153 - قد شرحنا من قبل الأدلة الخطابية والبرهانية والجدلية، وقد أشرنا إلى أن أسلوب القرآن فوق هذا، والآن نوضح ما أشرنا إليه من قبل، فنذكر بالعبارة الواضحة ما ذكرناه بالإشارة اللائحة.
إن أسلوب القرآن أسمى من الخطابة، وأسمى من منطق أرسطو، ومن لف لفه، تراه قد اعتمد في مسالكه على الأمر المحسوس أو الأمور البدهية التي لا يمترى فيها عاقل، وليس فيه قيد من قيود الأشكال المنطقية، من غير أن يخلّ بدقة التصوير، وقوة الاستدلال، وصدق كل ما اشتمل عليه من مقدمات ونتائج مع أحكام العقل.
وإنك لترى بعض أوصاف الأسلوب الخطابي قد أتى فيها بالمثل الكامل فيه، وهو أعلى من أن يوصف بأنه جاء على منهاج من مناهج الخطابة، وفيه تصريف القول الذي يلقي بجدة في نفس القارئ والسامع، فتصريف فنون القول من إيجاز غير مخل، وحذف كلمات أعلن الأسلوب وجودها، وغزارة في المعاني مع قلة في الألفاظ وإطناب مبين، بحيث لو حذفت كلمة لاختلَّ بنيان القول؛ إذ إن الكلام القرآني بعضه مع بعض كالبنيان النوراني المرصوص، ولكل كلمة إشعاع مشرق فيه بحيث لو لم تكن، يكون جزءًا ناقصًا من الأطياف للآيات القرآنية.
ثم من قصص حوى أقوى الأدلة في ذات القصة وما حوت، وفي الأدلة التي سيقت في بيان الأنبياء السابقين لرسالاتهم، ومجادلة المخالفين والمناوئين.
ومهما يكن من قول في استدلالات القرآن الكريم، فإن له مناهج في الاستدلال تعلو على براهين المناطقة، والأخيلة المثيرة للإقناع، والأدلة الخطابية.
154 - ونستطيع أن نذكر بعض مناحي القرآن في الاستدلال من غير إحصاء، بل نذكر بعضها، وبعضها ينبئ عن غيره.
ومن ذلك الأقيسة الإضمارية، وهي الأقيسة التي تحذف فيها إحدى المقدمات، مع وجود ما ينبئ عن المحذوف، فهو محذوف معلوم مطوي في الكلام منوي فيه. وهذا الحذف يكثر في الاستدلال الخطابي، بل يقول ابن سينا في (الشفاء): الخطابة معلولة على الضمير والتمثيل، والضمير هو القياس الإضماري، والتمثيل هو إلحاق أمر يأمر لجامع بينهما، ويسمَّى في عرف الفقهاء قياسًا فقهيًّا، بينما هو في عرف المناطقة تمثيل؛ لأنَّ فيه مشابهة بين أمرين.
وقد يقول قائل: إنك قررت أن القرآن أعلى في إقناعه واستدلاله من الخطابة والمنطق والشعر، ومع ذلك تقرر أنه ينهج منهاج الخطابة في الاستدلال!.
ونقول في الإجابة عن ذلك: إننا نعلو بمنهاج القرآن عن الخطابة، وإن كان يسلك بعض مناهج الخطابة في الاستدلال، وعلوّ القرآن في هذه الحال بأسلوبه أولًا، فهو كيفما كان من نوع الكلام المعجز، وثانيًا: القرآن يعلو عن الخطابة في أن كل مقدماته ونتائجه يقينية، ولا ينبع شيء منها إلّا من اليقين، وقد لام على مخالفيه أنهم يتبعون الظن، وإن هم إلَّا يخرصون.
ونعود من بعد ذلك إلى الاعتراض الذي يرد على الخاطر، وإن كان لا يرد في الموضوع، فنقول: إنَّ الناظر المستقرئ لأدلة القرآن يرى أكثرها قد حذفت فيه إحدى المقدمات، ولقد قال الغزالي بحق:
إن القرآن مبناه الحذف والإيجاز (أي: في شكل الأقيسة) واقرأ قوله تعالى يرد على النصارى الذين يزعمون أنَّ عيسى ابن الله؛ لأنه خلق من غير أب: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آَدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ، الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ} [آل عمران: 59، 60].
ولا شكَّ أن المثل الذي ساقه الغزالي، واضح فيه حذف إحدى المقدمات، وواضح المقايسة بين خلق آدم عليه السلام وخلق عيسى عليه السلام، وأنه إذا كان الخلق من غير أب مبررًا لاتخاذ عيسى إلهًا، فأولى أن يكون الخلق من غير أب ولا أم مبررًا لاتخاذ آدم إلهًا، ولا أحد يقول ذلك.
وإننا نجد أنه قد حذفت مقدمة وبقيت واحدة، وكأن سياق الدليل لو في غير كلام الله تعالى يكون هكذا: إن آدم خلق من غير أب ولا أم، وعيسى خلق من غير أب، فلو كان عيسى إلهًا بسبب ذلك لكان آدم أولى، لكن آدم ليس ابنًا ولا إلهًا باعترافكم، فعيسى أيضًا ليس ابنًا ولا إلهًا.
وإن الحذف قد صيَّر في الكلام طلاوة، وأكسبه رونقًا، وجعل الجملة مثلًا مأثورًا، يعطي حجة في الرد على النصارى، ويذكر الجميع بأنَّ آدم والناس جميعًا ينتهون إليه، وإنما خلق من تراب، فلا عزة إلا لله تعالى.
155 - وقد يساق الدليل في قصة، وقد ذكرنا من قبل مقام القصص القرآن في هذا المقام، ونقول: إنَّ القرآن اتخذ القصص سبيلًا للإقناع والتأثير، وضمن القصة الأدلة على بطلان ما يعتقد المشركون وغيرهم، وقد يكون موضوع القصة رسولًا يعرفونه ويجلونه؛ إذ يدعي المجادلون أنهم يحاكونه ويتبعونه، فيجيء الدليل على لسانه، فيكون ذلك أكثر اجتذابًا لأفهامهم وأقوى تأثيرًا، وقد يكون مفحمًا ملزمًا إن كانوا يجادلون غير طالبين للحق.
وانظر إلى قصة إبراهيم عليه السلام مع أبيه وقصته مع قومه - وقد ذكرناهما في موضوع القصص، فإنك ترى في القصتين أدلة التوحيد واضحة قوية تثبت بطلان عبادة الأوثان، ولإبراهيم من بين الرسل مكانته عند العرب؛ إذ هو شرفهم ومحتدهم الذي إليه ينتسبون، وقد كانوا يزعمون أنهم على ملته، فإذا جاءهم الخبر بتوحيده ومحاربته للأوثان، وسبق لهم ما كان يحتج به على قومه، كان ذلك مؤثرًا أيّ تأثير في قلوبهم.
ومجيء الدليل على لسان رسول يقرّ بفضله المخالفون كإبراهيم عند العرب، وموسى عند بني إسرائيل، يعطي الدليل قوة فوق قوته الذاتية، إذ تكون الحجة قد أقيمت عليهم من جهتين، من جهة قوة الدليل الذاتية، ومن جهة أن الذي قاله رسول أمين يعرفونه، فيكون هذا قوة إضافية، وفوق ذلك فيه إلزام وإفحام؛ إذ إنهم يدعون أنهم أتباعه.
وقد يجيء الدليل أحيانًا في قصص القرآن على لسان حيوان في قصة، فيكون ذلك غرابة تستعري الذهن، وتثير الانتباه وتملأ النفس إيمانًا بالحقيقة، كما جاء على لسان الهدهد في سورة النمل؛ إذ يقول الله سبحانه وتعالى - حاكيًا عن سيدنا سليمان عليه السلام: {وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ، لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ، فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ، إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ، وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ، أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ، اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ} [النمل: 20 - 26].
وترى من هذا أنَّ دليل التوحيد جاء على لسان الهدهد في أوجز عبارة، وأوضح إشارة، ألا تراه ينبه إلى بطلان عبادة الشمس من دون الله؛ لأنها لا تؤثر في الإبداع والإنسان بذاتها، وبيَّنَ أن ذلك الضلال للفطرة، إنما هو من تزيين الشيطان الفاسد الأفكار، وجعلهم يبتعدون عن حكم الفطرة الإنسانية، وهو أن يسجدوا لله تعالى الذي يخرج المخبوء من البذور والنوى، وكل أسباب الوجود، وهي مختفية عن الشمس وضوئها، فإذا كان لها تأثير ظاهري في الظاهر الذي خرج من الخبء، فما يكون تأثيرها فيما هو خبء، لا تأثير لها فيه لا ظاهرًا ولا خفيًّا.
قياس الخلف:
156 - قياس الخلف هو إثبات الأمر ببطلان نقيضه؛ وذلك لأنَّ النقيضين، لا يجتمعان، ولا يخلو المحل من أحدهما، كالمقابلة بين العدم والوجود، والمقابلة بين نفي أمر معين في مكان معين وزمان معين، وإثباته في هذه الحال، فإن انتفى بالدليل كان ذلك حكمًا بوجود نقيضه.
فدليل الخلف أن يبطل النقيض فيثبت الحق، وأنَّ القرآن الكريم يتَّجه في استدلاله إلى إبطال ما عليه المشركون، فيبطل عبادة الأوثان، فيثبت التوحيد.
ومن ذلك الاستدلال على التوحيد قوله تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ} [الأنبياء: 22]، هنا نجد الاستدلال القرآني اتجه إلى إثبات الوحدانية بدليل قياس الخلف، وتقرير الدليل من غير أن تتسامى إلى مقام البيان القرآني، كما يسوقه علماء الكلام، هكذا: لو كان في السماوات والأرض إله غير الله لتنازعت الإرادتان بين سلب وإيجاب، وإن هذا التنازع يؤدي إلى فسادهما لتخالف الإرادتين، ولكنهما صالحان غير فاسدين، فبطل ما يؤدي إلى الفساد، فكانت الوحدانية، فسبحان الله رب العرش عما يصفون. ويسمى علماء الكلام هذا الدليل دليل التمانع، أي: امتنعت الوثنية لامتناع الفساد، فكانت الوحدانية.
ومن القياس الذي يعتبر قياس الخلف قوله تعالى: {مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ} [المؤمنون: 91]، أي: وإنَّ ذلك باطل، فما يؤدي إليه باطل، وبذلك ثبت التوحيد.
ومن قياس الخلف قوله تعالى: {قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آَلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا} [الإسراء: 42]، وهذا أيضًا من قبيل فرض التمانع الذي يؤدي إلى الفساد، ولا فساد، فيبطل ما يؤدي إليه.
ومن قياس الخلف في إثبات أن القرآن من عند الله سبحانه وتعالى - قوله تعالت كلماته: {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} [النساء: 82] وإذا ثبت أنه ليس فيه اختلاف، ولا تضارب في مقرراته ولا عباراته، فإنه يثبت النقيض، وهو أنه من عند الله تعالى.
ونرى أنه في كل هذه الآيات البينات كان إثبات المطلوب بإبطال نقيضه، وقد أشرنا إلى ذلك في كل آية مما تلونا.
ثم إنَّك ترى مع هذا القياس الذي واجه المخاطبين بإبطال ما يدعون ليثبت ما يدعوهم إليه الرسول، معنى ساميًا قويًّا، وهو مهاجمة المخالفين بإبطال ما عندهم، وأنه ليس من القول الذي يقام له دليل، وإن ذلك يوهنهم وينهنه من قوتهم، ولذلك كانوا يشكون من النبي؛ لأنه يسفه أحلامهم، ويصغّر من أصنامهم.
ومع هذا القياس نجد الإضمار للمقدمات، وإبراز أوضحها الذي يومئ إلى ما وراءها، فما يضمره من المقدمات هو المختفي المعلوم، والظاهر المكتوم.
السبر والتقسيم:
157 - السبر والتقسيم باب من أبواب الاستدلال الكاشف للحقيقة، الهادي إليها، وهو أيضًا من أبواب الجدل، يتخذه المجادل سبيلًا لإبطال دعوى من يجادله، بأن يذكر أقسام الموضوع الذي يجادل فيه، ويبين أنه ليس في أحد هذه الأقسام خاصة تسوغ قبول الدعوى فيه، فيبطل دعوى الخصم.
وقد ذكر السيوطي أنَّ من أمثلته في القرآن الكريم قوله تعالى: {ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آَلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ، وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آَلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [الأنعام: 143 - 144].
ويبيِّن السيوطي وجه الاستدلال فقال: إن الكفار لما حرموا ذكور الأنعام تارة، وإناثها أخرى، ردَّ الله تعالى عليهم ذلك بطريق السبر والتقسيم، فذكر تعالى: أن الله خلق الخلق مما ذكر زوجين، ذكر وأنثى، ثم جاء تحريم ما ذكرتم عندكم. ما علته؟ لا يخلو إمَّا أن يكون من جهة الذكورة أو الأنوثة، أو اشتمال الرحم الشامل لهما، أولا يدري له علة، وهو التعبدي، بأن يأخذ ذلك عن الله تعالى، والأخذ عن الله تعالى إمَّا بوحي وإرسال رسول أو سماع كلامه ومشاهدة تلقي ذلك عنه، وهو معنى قوله تعالى: {أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا}، فهذه وجوه التحريم، ثم لا تخرج عن واحدة منها، والأول يلزم عليه أن يكون جميع الذكور حرامًا، والثاني يلزم عليه أن يكون جميع الإناث حرامًا، والثالث يلزم عليه تحريم الصنفين معًا، فبطل ما فعلوه من تحريم بعض في حالة، وبعض في حالة؛ لأنَّ العلة على ما ذكر تقتضي إطلاق التحريم والأخذ عن الله بلا واسطة (وحي) باطل، ولم يدعوه، وبواسطة رسول كذلك؛ لأنه لم يأت إليهم رسول قبل النبي صلى الله عليه وسلم، وإذا بطل جميع ذلك ثبت المدعي وهو أن ما قالوه افتراء على الله تعالى وضلال.
خلاصة الاستدلال على بطلان ما ادعوا من تحريم السائبة والوصيلة، وبعض الماعز والبقر، أنَّ الله تعالى العلي الحكيم ينبههم إلى أنَّ التحريم يكون لوصف ذاتي في هذه المحرمات، أو لتحريم بوحي أو رسول، ثم أخذ يبيِّن سبحانه أنَّه لا يوجد وصف ذاته في هذه الأشياء التي يحرمونها، فذكر سبحانه أنَّ السبب في التحريم إما أن يكون في الذكورة وحدها، أو الأنوثة وحدها، أو فيهما معًا، ولا جائز أن تكون في الأنوثة وحدها؛ لأنكم حرمتم ذكورًا؛ ولأنَّ مقتضى العموم أن تحرم كل أنثى، وكذلك الأمر في الذكورة؛ لأن ذلك يوجب تحريم كل الذكور، وكذلك إذا وصف التحريم ذاتيًّا اختصصتم بالتحريم بعضها دون كلها.
وإذا لم يكن ثمَّة وصف ذاتي اقتضى التحريم، فهل كان نص من رسول، أو وحي، أو من أين جاءكم العلم، لا شيء من هذا، وهذا الجزء الأخير كقوله تعالى في آخر سورة الأنعام: {سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ تَخْرُصُونَ} [الأنعام: 148].
التمثيل:
158 - التمثيل: أن يقيس المستدلُّ الأمر الذي يدَّعيه على أمر معروف عند من يخاطبه، أو على أمر بدهي لا تنكره العقول، وتقرّ به الأفهام، ويبين الجهة الجامعة بينهما، وأنَّ القرآن الكريم قد سلك هذا المسلك على أدقِّ وجه وأحكمه مقربًا ما بين الحقائق القرآنية، والبدائة العقلية، وكثير من استدلالات البعث فيها تقريب وتمثيل البعث وقدرة الله تعالى عليه بما يرون من إنشاء ذلك الكون البديع، وما خلق به الإنسان وبيان أطواره من أصلاب الآباء إلى أرحام الأمهات.
اقرأ قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ، ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَأَنَّ السَّاعَةَ آَتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ} [الحج: 5 - 7].
ونرى من هذا عقد المشابهة بين ابتداء الخلق وإعادته التي لخَّصها الله سبحانه وتعالى - في قوله: {كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ}، وفي هذه الآيات الكريمات بَيِّنَ سبحانه وتعالى كيف ابتدأ خلق الإنسان من طين، ثم جاءته الأطوار المختلفة حتى آل إلى القبر ثم كيف خلق الأحياء في الأرض من نبات وحيوان واهتزن وربت، وأنبتت من كل زوج بهيج، وأنَّ كل ذلك دليل على قدرة المنشئ علَّام الغيوب، بديع السماوات والأرض، وأنه على ما يشاء قدير.
وإنَّ هذا النسق البياني قرب فيه البعيد، وسهل على الأفهام دخوله، والله على كل شيء قدير.
واقرأ في هذا النوع من الاستدلال قوله تعالى: {وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ، قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ، الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ، أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ} [يس: 78 - 81].
وتجد في الآيات الكريمات عقد المشابهة بين ابتداء الخلق وإعادته في أبلغ تعبير وأسلم تقرير، وإنَّ في هذه الأمثلة وغيرها مما اشتمل عليه القرآن الكريم قياس ما في الغيب على المشاهد، وقياس ما بينه الله تعالى، وأوجب الإيمان به على ما هو واقع مرئي مشاهد، فيه الدلالة الكاملة على قدرة الله تعالى، وأنَّه المالك لما هو واقع والقادر على ما لم يقع الآن، وسيقع كما وعد، ووعده لا يتخلف.
159 - هذا، ويلاحظ القارئ للقرآن التالي لآياته، المتبصر في عبره وعظاته، والدارس لأدلته، أنَّ جدل القرآن لا يتجه إلى مجرد الإفحام والإلزام، بل يتجه في الكثير الغالب إلى إرشاد القارئين والمدركين، والأخذ بأيديهم إلى الحق، وتوجيه النظر إلى الحقائق، وما في الكون من دلائل على القدرة، كما ترى في قوله تعالى: {أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ، وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ، تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ، وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ، وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ، رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ} [ق: 6 - 11].
فترى في هذه الآيات أنَّ البيان فيها ليس مجرد إفحام الوثنيين ومنكري التوحيد، بل فيه توجيه إلى الكون، وما فيه من دلائل القدرة، وعجائب الصنع وما فيه من سماء زينت ببروجها ونجومها، والأرض وما فيها من رواسي: كأنها تمسكها أن تميد، وما فيها من نبات يحصد في إبانه، وجنات تونع وتثمر في وقتها.
واقرأ قوله تعالى في سورة الرحمن: {الرَّحْمَنُ، عَلَّمَ الْقُرْآَنَ، خَلَقَ الْإِنْسَانَ، عَلَّمَهُ الْبَيَانَ، الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ، وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ، وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ، أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ، وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ، وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ، فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ، وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ، فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ، خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ، وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ، فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ، رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ، فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ}. إلى آخر السورة الكريمة. وفي هذا ترى الاستدلال القوي متجهًا إلى الإرشاد إلى ما في الكون، وما أنعم الله به على الإنسان من علم بما لم يكن يعلم، وما علمه من الشمس والقمر، وما علمه من معاملات كريمة، وتعاون إنساني مبني على الفضيلة، وعلمه كيف خلق الإنسان، وهكذا من استدلال حكيم، وإرشاد وتوجيه وتعلم.
وإنَّه إذا اتجه القرآن الكريم إلى الإلزوام والإفحام لا يلبث أن يأخذ بيد المعاند إلى الحقيقه يبينها واضحة جلية لا ريب فيها، كما ترى في قوله تعالى رادًّا على المشركين طلبهم أن يكون الرسول ملكًا:
{وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ، وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ} [الأنعام: 8، 9].
فإنك ترى أنَّ في ذلك إفحامًا لهم من ناحيتين: الناحية الأولى: أنَّهم لو أجيبوا إلى ما يطلبون لقضي عليهم ما هدَّدهم الله تعالى به، ولا ينظرون، والثانية: أنه لا يزول اللبس الذي يلبسون به الحق بالباطل؛ لأنه لو جعله الله تعالى ملكًا لجلعه في صورة رجل، وبذلك يجيء الالتباس الذي لبس به عليهم.
ومن الاستدلال المفحم الهادي قوله تعالى في الردِّ على اليهود ووصفهم: {الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [آل عمران: 183].
وكما ترى في قوله تعالى ردًّا على الذين ينكرون الرسالات الإلهية، فقد قال تعالت كلماته: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ} [الأنعام: 91] ويظهر أن الذين قالوا هذا القول من اليهود، قالوه لينكروا رسالة النبي صلى الله عليه وسلم.
وفي هذه الآيات التي تلوناها ترى الإلزام المفحم، والحجة البالغة، والفيصل الفارق بين الحق والباطل، قد أدحضت به حجة الخصوم وأرشدوا إلى المحجة، ووضعت الصور والأعلام، ليسيروا على الجادة بعد أن بددت الظلمات، وأذهب ضوء الحق ظلام ما موّه به الخصوم، فمن أبى واستكبر بعد ذلك فهو من الأخسرين، بعد أن أزيلت من أمامه غياهب الباطل.
160 - وعند توجيه الله تعالى نظر المجادل إلى الحقائق من غير اتجاه إلى إلزام من أول الأمر، أو بعد إلزامه وإفهامه يكون تصريف البيان، ومناحي التأثير، وتكون العبارات التي تخاطب العقل والوجدان، وتمسّ مواطن الإحساس، وتتنوع المناهج وتتضافر المعاني، وللألفاظ جدتها وطلاوتها، ومع التكرار أحيانًا تزداد الفائدة، وتكثر الثمرات، وتنوع الأساليب من استفهام إلى تعجب إلى تهديد إلى أخبار، ويختلف الاتجاه إلى مواضع الاستدلال وينابيعه.
أ - فمرَّة يكون الاستدلال بردِّ المسائل إلى أمور بدهية معروفة، كما أشرنا، أو حقائق مشهورة مألوفة يخرّ المجادل أمامها صاغرًا كما ترى من إبطال قول من زعم أن لله سبحانه وتعالى - ولدًا؛ إذ يقول سبحانه وتعالى: {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ، ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ، لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الأنعام: 101 - 103].
ألا ترى أن الاستدلال القرآني اتَّجَه إلى بطلان مدعاهم إلى أمر معروف مشهور مألوف لا يماري فيه أحد، وهو أنَّه لو كان له ولد لكان له صاحبة، ولم يدع أحد أن لله تعالى صاحبة، فبطل أن يكون له ولد، تعالى الله عمَّا يقولون علوًّا كبيرًا.
ب - وأحيانًا يوجّه نظر الناس إلى المخلوقات، وإلى ما في الكون مما يدل على قدرة الصانع، وعلم المبدع، انظر إلى قوله تعالى: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ، إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [البقرة: 163، 164].
وهكذا، وارجع إلى ما قدمنا من مصادر الاستدلال في القرآن الكريم.
ويلاحظ أنَّ القرآن الكريم في الجدال الذي يلزم الخصوم، ويفحمهم، يجيء إلى الإفحام من أقرب الطرق، وأقواها إلزامًا، ومن ذلك ما حكاه الله تعالى عن خليله إبراهيم عليه السلام في مجادلة مدَّعي الألوهية، فقد قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آَتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [البقرة: 258].
وإن وسائل أخذ الخصم بأقرب طريق للإفحام والإلزام كثيرة.
أ - منها التحدِّي، كما تحدَّى الله تعالى كفَّار قريش بأن يأتوا بعشر سور من مثله مفتريات، وكما تحدَّى إبراهيم الملك الوثني.
ب - ومنها أخذ الخصم بموجب كلامه، وإثبات أنه عليه وليس له، ومن ذلك قوله تعالى في شأن المنافقين؛ إذ يقول سبحانه وتعالى - عنهم: {لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} [المنافقون: 8] فسلم لهم أنَّ الأعز يخرج الأذل، ولكن من هو الأعز؟ لله العزوة ولرسوله وللمؤمنين.
ج - ومنها مجاراة الخصم فيما يقول، ثم التعقيق عليه بما يقلب عليه نتائج قوله، ومن ذلك قوله تعالى حاكيًا عن الرسل مع أقوامهم: {قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ، قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} [إبراهيم: 10، 11].
فترى من هذا النص السامي أن الرسل سلَّموا بالمقدمة التي بنى عليها الأقوام رفضهم، ولكنَّهم نقضوا النتيجة بقولهم: {وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ} فكأنهم قالوا لهم: ما قلتموه من أننا بشر حق، ولكن ما تريدون أن تبنوا عليه من إثبات أننا لسنا أنبياء باطل؛ لأنَّ الله يمنُّ على من يشاء من عباده، وهو قد مَنَّ علينا، وقدمنا لكم السلطان، أي: الدليل، ولا سلطان لنا إلا ما يأذن الله تعالى.
161 - هذه قبسة من نور الذكر الحكيم الذي أضاء الله تعالى به الخليقة لتهتدي الأجيال بهديه، وتسير على ضوئه، وتعشو إليه إذا أظلمت وعمتها الجهالات وتاه الناس في مثارات الشيطان.
وما أردنا بذلك البيان إحصاء لطرق الاستدلال في القرآن، ولا استقصاء لمسالكه في جدله، فدون ذلك تنفق القوى، وينبت الظهر، ويقصر الشأو، ولكن أردنا أن يرى الدارس للقرآن الكريم أمثالًا عن طرق جدل القرآن واستدلالاته، وكيف كانت أعلى من المنطق في دقّته، وإن لم تتقيد بأساليب المناطقة، ولا بأشكال أدلتهم، ففي أدلة القرآن التقديم والتأخير، والإيجاز والإطناب تبعًا لروعة البيان ونسقه وجماله، وليس تبعًا لأشكال البرهان، وكانت مع ذلك أعلى من الخطابة، وإن كان بيانه المثل الأعلى الذي لا يستطيع أن يجاريه الخطباء.
لو أنَّ المتكلمين الذين عنوا بإثبات العقائد والجدل فيها سلكوا مسلك القرآن، وساروا في سمته لكان عملهم أكثر فائدة، وأدنى جني، وأينع ثمارًا، ولكنهم سلكوا مسلك المنطق وقيوده، والبرهان وأشكاله، فكان علمهم للخاصة من غير أن يفيد العامة، فإنَّ العامة يدركون دقائق القرآن على قدر عقولهم، ولا يدركون شيئًا من أشكال الأقيسة.
وقد وازن الغزالي في كتابه (إلجام العوام عن علم الكلام) بين أدلة القرآن وطريقة المتكلمين، فقال رضي الله عنه: أدلة القرآن مثل الغذاء، ينتفع به كل إنسان، وأدلة المتكلمين مثل الدواء ينتفع به آحاد الناس، ويستضرّ به الأكثرون، بل إنَّ أدلة القرآن كالماء الذي ينتفع به الصبي الرضيع والرجل القوي، وسائر الأدلة كالأطعمة التي ينتفع بها الأقوياء مرة، ويمرضون بها أخرى، ولا ينتفه بها الصبيان أصلًا.
وفي الحقِّ أن الناس لو شغلوا بدراسة القرآن، وما فيه من استدلال لينهجوا على نهجه، ويسيروا في طريقه، لكان لهم من ذلك علم كثير، فإن القرآن قد اشتمل على مناهد في الاستدلال والجدل والتأثير تتكشَّف عن أدقِّ نواميس النفس الإنسانية. وتبيِّن شيئًا كثيرًا من أحوال الجماعات النفسية والفكرية، وفيها الطب لأدوائها، والعلاج الناجع لأمراضها، والدواء الشافي لعللها وأسقامها.
وفي مناهجه البيانية المثل الأعلى للكلام النافذ إلى القلوب والحجج الدامغة. ويعتبر ذلك بأثره في المشركين وأثره في المسلمين الأولين.
وقد ذكرنا فيما مضَى من قولنا أنَّ كل من كان يسمعه من المشركين يناله منه قبس يهتدي به إن آمن، وإن استمرَّ على جحوده أطفأ الله النور في قلبه، وطمس الله على بصيرته، وكان على ريب في الأمر، وتردَّد، فكان كل من داناه منهم من نوره قلبه، ونال أثره وجدانه، حتى لقد تناهى زعماؤهم عن سماعه، لمَّا رأوه من أثره في قلب كل من سمعه.
وقد كان من أثر القرآن في المؤمنين الأولين أنَّ عكفوا عليه يرتلونه، ويتفهمونه، ويتعرَّفون معانيه ومراميه، وجعلوه معلمهم الأول، ومرجعهم إذا اختلفوا، ومنهل عقائدهم، ويأخذون منه ما يقوي إيمانهم، ويدفع الشبهات عنهم ويثبت يقينهم، ولم يعرفوا حجة مع السنة سواه، ولا محجة غير طريقه وهديه، بل يجادلون، وعن هديه يصدرون، فاستقام أمرهم، وحكموا بعدله العالمين.